سيد محمد طنطاوي

96

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه - وهم جمهور العلماء - أن المراد بكلمة اللَّه هو عيسى - عليه السلام - لأنه كان يسمى بذلك أي أن يحيى كان مصدقا بعيسى ومؤمنا بأنه رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . وقد كان يحيى معاصرا لعيسى . وكانت بينهما قرابة قوية إذ أن والدة يحيى كانت أختا لأم مريم وقيل إن أم يحيى كانت أختا لمريم . وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن المراد بكلمة اللَّه كتابه ، أي أن يحيى من صفاته الطيبة أنه كان مصدقا بكتاب اللَّه وبكلامه ، وذلك لأن الكلمة قد تطلق ويراد منها الكلام ، والعرب تقول أنشد فلان كلمة أي قصيدة ، وقال كلمة أي خطبة . ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لأن القرآن قد وصف عيسى بأنه كلمة اللَّه في أكثر من موضع فيه ومن ذلك قوله - تعالى - يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ، ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقَّ ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه وكَلِمَتُه أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْه فَآمِنُوا بِاللَّه ورُسُلِه وقوله تعالى - يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّه يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه اسْمُه الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ولأن في التعبير عن عيسى الذي صدقه يحيى - بأنه كلمة من اللَّه ، إشعارا بأن ولادتهما متقاربة من حيث الزمن ، وإيماء إلى أن زكريا - عليه السّلام - قد أوتى علما بأن المسيح عهده قريب ، وأن يحيى - عليه السّلام - سيعيش حتى يدرك عيسى . وقوله * ( مُصَدِّقاً ) * منصوب على الحال المقدرة من يحيى ، أي على الحال التي سيكون عليها في المستقبل ، والمراد بهذا التصديق الإيمان بعيسى - كما سبق أن أشرنا - قيل : هو أول من آمن بعيسى وصدق أنه كلمة اللَّه وروح منه « 1 » . و « من » في قوله * ( مِنَ اللَّه ) * للابتداء . والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة ، أي مصدقا بكلمة كائنة من اللَّه - تعالى - والصفة الثانية : من صفات يحيى عبر عنها القرآن بقوله « وسيدا » والسيد - كما يقول القرطبي - الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله . وأصله سيود يقال : فلان أسود من فلان على وزن أفعل من السيادة ، ففيه دلالة على تسمية الإنسان سيدا . وفي الحديث أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال لبنى قريظة عندما دخل سعد بن معاذ - « قوموا إلى سيدكم » وفي الصحيحين أنه قال في الحسن « إن ابني هذا سيد ولعل اللَّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 147 . ( 2 ) تفسير القرطبي - بتصرف يسير - ج 4 ص 77 .